خربشات صحفية

الموقع الشخصي للصحفية المصرية " أمل خيري " يحتوي على المقالات والأبحاث المنشورة على الانترنت

مصطفى السباعي .. فقيه أدباء الدعوة

مصطفى السباعيشهد النصف الأول من القرن العشرين تحولات كبرى ومصيرية على المستوى السياسي والاجتماعي في بلاد الشام وسائر البلاد العربية والإسلامية، حيث برز تصارع القوى الكبرى على اقتسام الكعكة العثمانية، وكانت بلاد الشام من نصيب فرنسا التي سارعت بتطبيق سياسات التبشير الاستعمارية لتفرض سلطانها على المدن السورية واللبنانية في الوقت الذي كان يغط المسلمون فيه في نوم عميق متدثرين بغطاء الجهل والخرافات.

النشأة والتكوين

في هذا الجو المختلط ولد مصطفى السباعي بمدينة حمص السورية عام 1334هـ/1915م لأسرة عريقة في العلم حيث ورث والده الخطابة في المسجد النوري الكبير عن أجداده، كما كان له مجالس علمية مع لفيف من فقهاء المدينة يجتمعون فيها ويتدارسون الفقه. وكان الأب حريصا على حضور ولده هذه المجالس مما حبب إليه هذه الأجواء وهيأه لدراسة علوم الشريعة.

تأثر مصطفى السباعي بوالده تأثرا كبيرا وطبعت ملامح شخصية والده على شخصيته هو نفسه فورث عنه حب الخير والبذل والجهاد والنضال وقوة الشكيمة ومضاء العزيمة، فمثل والده الرافد الأول لفكره ومسيرته الإصلاحية.

وفي هذا الجو الإيماني حفظ السباعي القرآن الكريم واجتهد في طلب العلم فالتحق بالمدارس الابتدائية النظامية ومنها التحق بالمدرسة المسعودية التي أسسها الشيخ طاهر الرئيس، ثم التحق بالمدرسة الثانوية الشرعية وتخرج فيها عام 1348هـ/1930م.

وشاء الله أثناء دراسته الثانوية أن يقع تحت يده أحد أعداد مجلة "الفتح" لصاحبها الشيخ محب الدين الخطيب، والتي أعجب بها وأثرت فيه أيما تأثير؛ فكانت الرافد الثاني لفكره حيث كانت أول مجلة إسلامية يطلع عليها فكانت له بمثابة كنز ثمين، إذ وسعت مداركه وتعرف من خلالها على واجبه وتبين له ما يبيته الاستعمار، فكانت "الفتح" هي الجسر بين شباب سوريا وبين أقطار العالم الإسلامي.

وفي هذه السن المبكرة تفتحت مواهب السباعي وبرز شغفه بالقراءة والاطلاع وهو ما أهله للخطابة على منبر أبيه في المسجد الجامع، وكان قد اشتهر بخطبه الحماسية في مقاومة التبشير والاستعمار وفضح مخططاتهم فجعل ذلك منه رجل الوطنية والعروبة والإسلام الذي عكس فهمه الشمولي في هذا الوقت المختلط.

وقد دفعه هذا الحس الوطني إلى الانضمام لجماعة "الرابطة الدينية" وقام بتأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشأتها السلطات الاستعمارية الفرنسية، وكان يكتب المنشورات النارية لتحذير الأسر من هذه المدارس، كما كتب منشورات أخرى ضد سياسة فرنسا في المغرب. وبسبب هذه المنشورات ألقي القبض عليه للمرة الأولى عام 1349هـ/1931م وهو في السادسة عشرة من عمره، وبعد الإفراج عنه واصل ثورته بالخطب الحماسية وقيادة المظاهرات المناهضة للاحتلال.

وانصب اهتمام السباعي في هذه الخطب على مقاومة الاحتلال الفرنسي من جهة ومحاربة الجهل والخرافات المنتشرة بين العامة من جهة أخرى، حيث رأى حرص فرنسا على تكريس هذا الجهل وتوظيفه لصالحها.

وتعرض للاعتقال للمرة الثانية عام 1350هـ/1932م لبضعة شهور وبعد الإفراج عنه غادر حمص ليتوجه إلى مصر للدراسة بالأزهر.

سفير الغرباء

التحق السباعي بكلية الشريعة ليدرس الفقه وأصوله وظهرت مرة أخرى سمات القيادة لديه فلم يمض عام واحد على التحاقه بالأزهر حتى أصبح سفيرا للدارسين في الأزهر من غير المصريين وأصبح المعبر عن طلباتهم، وقاد مظاهرة يعرض فيها مطالبهم، ولم يلبث أن قاد طلبة الأزهر مرة أخرى عام 1352هـ/1934م في مظاهرة ضخمة ضد الاحتلال البريطاني مما دعا السلطات الاستعمارية للقبض عليه وإيداعه السجن لعدة شهور، وفور خروجه من سجنه بدأ يكتب في "الفتح" مجلته المفضلة التي طالما قرأها في صباه وتأثر بها، وساهمت في تشكيل وعيه المبكر وفجرت طاقاته ومواهبه الأدبية.

وفي نفس العام ألقى كلمة في اجتماع للطلبة السوريين والفلسطينيين دعا فيه إلى تأسيس ناد لهم لتوثيق أواصر الأخوة والتدريب على القيادة، كما ألف مع مجموعة من زملائه الأزهريين "لجنة الشئون الإسلامية" بالأزهر مطلع العام 1357هـ/1939م وذلك بهدف رفع صوت الأزهر عاليا بالدفاع عن الإسلام ورد كيد أعدائه وتتبع أحوال المسلمين وبيان موقف الأزهر المستنكر للعدوان على الدول الإسلامية.

ولا ينكر أحد فضل السباعي في تعريف المصريين بالقضية الفلسطينية ونقل صور التنكيل بالشعب الفلسطيني، كما برز دوره في التوعية بثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1359هـ/1941م، فقرر مع زملائه إعداد منشورات لتنوير الشعب المصري بما يحدث في العراق، فكانوا يلقون بهذه المنشورات من سطح الجامع الأزهر فألقت السلطات البريطانية القبض عليهم وأودعوا السجن بتهمة تشكيل جمعية سرية لتأييد ثورة العراق. وظل السباعي في سجنه ثلاثة أشهر حتى أُفرج عنه بوساطة من الشيخ المراغي، فأخرجته السلطات البريطانية من مصر إلى غزة حيث اعتقل أربعة أشهر هناك، ثم قام الإنجليز بتسليمه للفرنسيين في الشام فاعتقلته السلطات الفرنسية وأودعته السجن أكثر من عامين تعرض فيهما للتعذيب.

الدعوة التنظيمية

خرج السباعي من سجنه أشد عزيمة مما كان، وصارت خطبه تملأ المجلدات، وقد أتاحت له فرصة وجوده بمصر الاتصال بالشيخ حسن البنا والتعرف على دعوة الإخوان المسلمين، لذا عقد العزم بعد خروجه من سجنه على بدء مرحلة جديدة في حياته وهي الدعوة التنظيمية، وذلك لأنه تيقن بضرورة العمل الديني الثقافي المنظم الذي سيجمع شتات الجمعيات الإسلامية في سوريا، كرابطة شباب محمد وجمعية الشبان المسلمين ودار الأنصار، فدعا جميع هذه المراكز لتوحيد العمل الإسلامي تحت راية واحدة وهي جماعة الإخوان المسلمين بسوريا، وأصبح السباعي المراقب العام لها عام 1362هـ/1944م. وبذلك عهد إليه قيادة الحركة الإسلامية في سوريا وهو في التاسعة والعشرين من عمره، فانتقل ليعيش في دمشق وعمل مديرا للمعهد العربي الإسلامي وهو مؤسسة تربوية أنشأها ردا على مدارس الإرساليات ومعاهد التبشير التي طالما حاربها.

مرة أخرى برزت الموهبة القيادية لدى السباعي في قيادته الحركة الإسلامية، وطبعها بطابعه الخاص على مدار ستة عشر عاما، وقد أخذ على عاتقه عبء مناهضة الأفكار القومية والعلمانية والاشتراكية، وبرز مصطفى السباعي كمنظر للحركة الإسلامية، ويمكن تلمس روح الداعية في جميع مؤلفاته وخطبه حيث تمثلت أركان الإصلاح في نظره في إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع.

وانطلق مصطفى يخوض غمار العمل الصحفي فأسس جريدة "المنار" عام 1365هـ/1947م مقتبسا الاسم من الشيخ محمد رشيد رضا الذي كان له مجلة تحمل الاسم ذاته، وذلك يدل على مدى تقديره وتأثره بالشيخ، وتجلى أسلوبه الأدبي الناضج وحسه الوطني الواعي في مقالاته وافتتاحيات الجريدة اليومية التي اجتذبت أعدادا هائلة من القراء حتى كانت طبعات الجريدة تنفد في ساعات مبكرة من الصباح.

الداعية المجاهد

كما ارتفعت لديه نبرة الكفاح ضد المستعمر ودعا لتوحيد العرب؛ الأمر الذي تعدى الجانب النظري إلى التطبيق العملي حيث شارك بالرغم من مرضه في كتائب السوريين للجهاد في فلسطين، وبعد هزيمة العرب عاد ليجاهد بالكلمة ويفضح مؤامرات الخيانة التي عجلت بهزيمة العرب في حرب فلسطين 1366هـ/1948م.

ساهمت الطبيعة القيادية للسباعي وملامح شخصيته الفذة في حب السوريين له والتفافهم حوله والذي توج بنجاحه في الانتخابات التشريعية عام 1367هـ/1949م حيث أصبح ممثلا عن دمشق في البرلمان، وطالب بالنص على دين الدولة في الدستور، وكان ذا حضور مكثف في جلسات المجلس تتجلى الحكمة والذكاء في كلماته ومواقفه.

وخلال هذه المدة عاد السباعي لمصر للحصول على شهادة الدكتوراة التي نالها عن رسالته الشهيرة "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" عام 1367هـ/1949م والتي فند فيها دعاوى المستشرقين وشبهاتهم حول السنة خاصة "جولد تسهير". وقد استكمل السباعي الرسالة في ظروف غاية في الصعوبة حيث تزامن وجوده في مصر مع حل جماعة الإخوان ثم استشهاد الشيخ حسن البنا، وكان السباعي من المطلوبين للاعتقال، ولكنه استطاع التواري عن الأنظار حتى قدم رسالته ثم عاد لدمشق.

وما لبثت أن توالت الانقلابات في سوريا وفي هذه الفترة تعرض السباعي للاعتقال ثم صدر قرار بحل جماعة الإخوان بسوريا عام 1371هـ/1952م فخرج من معتقله للمنفى في لبنان حيث قضى بضعة عشر شهرا في منفاه أتاحت له فرصة البحث والدرس والتأمل، كما قام بدور فاعل في دعم وتأسيس الحركة الإسلامية في لبنان.

وبعد عودته لسوريا عام 1373هـ/1954م بعد الإطاحة بالعقيد أديب الشيشيكلي استأنف نشاطه السياسي وظفر بقرار من البرلمان بتأسيس كلية الشريعة في الجامعة السورية وأصبح عميدا لها ورئيسا للجنة موسوعة الفقه الإسلامي.

وعاد مرة أخرى لميدان الصحافة بإصداره جريدة "الشهاب" الأسبوعية عام 1374هـ/1955م حيث تولى الإشراف على تحريرها وكتب فيها الكثير من المقالات وشارك في تحرير أكثر من باب فيها، مثل: "في مدرسة الروح"، و"عظماؤنا في التاريخ" الذي تحول فيما بعد إلى كتاب.

آلام وإبداع مصطفى السباعي

وفي أعقاب تأميم قناة السويس ووقوع العدوان الثلاثي على مصر دعا السباعي لمساندة مصر وسارع للانخراط في صفوف المقاومة الشعبية وحض زملاءه وتلاميذه على المقاومة فقام بتحويل الجامعة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية للتدريب على استعمال السلاح، وكان للجهد الذي بذله في التدريب العسكري أثر سلبي على صحته لأنه كان يعاني منذ وقت طويل من تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، لذا قرر السباعي التفرغ للعمل الدعوي والبحوث والمحاضرات واعتزال العمل السياسي، فلم يتقدم للترشيح في انتخابات البرلمان مرة أخرى، كما طلب إجازة لمدة عام من المراقبة العامة للإخوان نظرا لظروفه الصحية، وأتاحت له هذه الفرصة التفرغ للتعمق في قضايا الفكر والتنظير.

وتعرض عام 1376هـ/1957م للمرض الذي ألزمه الفراش سبع سنوات، ولم يثنه مرضه ولا آلامه المبرحة عن استكمال مشروعه الفكري، فكانت هذه الفترة من أخصب فترات إنتاجه الفكري حيث كتب العديد من المؤلفات مخالفا توجيهات الأطباء له بضرورة الراحة وعدم الإجهاد.

كما أصدر مجلة "حضارة الإسلام" التي ظلت تصدر من عام 1379هـ/1960م حتى عام 1400هـ/1980م، وظل السباعي يشرف على تحريرها حتى وفاته، وكتب فيها عشرات الافتتاحيات والمقالات والكثير من الردود والمناقشات والتعليقات، إضافة إلى تراجم بعض العلماء والشخصيات.

فقيه الأدباء

وقد ترك السباعي عشرات المؤلفات والكتب في العديد من المجالات، ففي الجانب الفقهي والقانوني كتب: "أحكام الزواج والخلالة"، و"أحكام المواريث"، و"الوصايا والفرائض" وغيرها.

وفي العلوم الاجتماعية كتب "أخلاقنا الاجتماعية" وهو عبارة عن مجموعة أحاديث له في الإذاعة السورية عن الانحراف في الأخلاق الاجتماعية التي أصابت المجتمعات الإسلامية، كما أنه عايشها من خلال حياته العملية هادفا إلى إرشاد الدعاة للواجب الملقى على عاتقهم في إصلاح هذه الأخلاق، وكتاب "أخلاقنا العائلية"، و"التكافل الاجتماعي في الإسلام" وغيرها.

وفي مجال الفكر له عدد من المؤلفات أشهرها "اشتراكية الإسلام" وهو كتاب علمي أصيل يعتمد على الأصول الإسلامية من القرآن والحديث وقواعد الشريعة ومقاصدها، قاصدا منه التأكيد على سبق الإسلام بالمبادئ التي ينادي بها الاشتراكيون من إنصاف الفقراء وحماية حقوق الضعفاء، وكتاب "أصدق الاتجاهات الفكرية في الشرق العربي" و"الصراع بين العقل والقلب".

كما ألف العديد من الكتب في التاريخ والسير مثل "أحداث غيرت مجرى التاريخ" و"السيرة النبوية دروس وعبر".

أما في الأدب فقد قدم السباعي العديد من الإسهامات مثل "القلائد من فرائد الفوائد" و"دروس من الحياة". ولا ننسى الكتاب المبدع الذي ألَّفه خلال مرضه ووضع فيه خلاصة تجاربه في الحياة وهو "هكذا علمتني الحياة".

ويتميز أسلوب مصطفى السباعي بمسحة بيانية بليغة تجلت منذ كتاباته الأولية في مجلة "الفتح" مرورا بمقالاته الناضجة في مجلة حضارة الإسلام، هذا غير العديد من الكتب الرائدة والمحاضرات والخطب والأشعار التي أثرى بها الفكر الإسلامي والتي طبعها بطابع بياني ساحر ظهر فيه مدى تأثره ببلاغة القرآن وبيانه المعجز. ولم يخل مؤلف له من هذه المسحة الأدبية حتى إن كتبه الفقهية قد حملت طابعا أدبيا قلما يوجد في مثلها من الكتب الفقهية والقانونية، ومن الممكن أن يطلق عليه حينئذ: فقيه الأدباء؛ نظرا لتكافؤ إنتاجه الفقهي مع إنتاجه الأدبي.

وبعد حياة حافلة بالفكر والجهاد والآلام توفي مصطفى السباعي ظهر السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى 1384هـ الموافق للثالث من أكتوبر 1964م، وانطلقت جنازته من بيته في حي أبي رمانة بدمشق يودعها آلاف الشباب والشيوخ في مشهد مهيب يختلط فيه التكبير بالبكاء والأنين، وقد اكتظ المسجد بعشرات الألوف من المشيعين له إلى مثواه الأخير، وبقيت آثاره معينا لا ينضب على مر السنين.

المراجع

1. عدنان محمد زرزور. مصطفى السباعي الداعية المجدد، دمشق: دار القلم، سلسلة أعلام المسلمين، الطبعة الأولى، 1420هـ/2000م.

2. عبد الله عقيل سليمان العقيل. من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1422هـ/2002م.



أضف تعليقا


" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله "
القائمة البريدية
خربشات صحفية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك