خربشات صحفية

الموقع الشخصي للصحفية المصرية " أمل خيري " يحتوي على المقالات والأبحاث المنشورة على الانترنت

مصطفى محمود .... رحلة في قلب إنسان

بقلم : أمل خيري


الحس المرهف ، العلم الواسع ، الإيمان العميق ، العقل الواعي ، التفاني في خدمة الإنسانية.

هذه هي المفاتيح الخمسة الرئيسية لشخصية الدكتور مصطفى محمود العالم والمفكر الذي جمع بين النقائض وأثار حوله ضجة ومعارك فكرية خاضها ببسالة اختلف معه كثيرون واتفق معه الأكثر ولكنه يظل من أشهر المفكرين والعلماء الذين جادت بهم أرض مصر.

جمع مصطفى محمود بين ممارسة الطب والتعمق في الفيزياء والكيمياء والفلك وبين الأدب والفن والفكر متسما بأسلوب غاية في العمق والبساطة وهو ما حقق لبرنامجه الشهير "العلم والإيمان" انتشارا واسعا لدى جميع الأوساط الفكرية والعمرية لتبسيطه المعلومات المعقدة وجعلها في متناول المشاهد العادي حيث وجد فيه الجميع لذة لا تضاهى وعلى الرغم من مرور الأعوام ما زالت الحلقات الأربعمائة من برنامجه العلم والإيمان تجد طريقها للقلوب .

محن تفجر التأمل

لازم مصطفى محمود ضعفا في صحته منذ ولادته فكانت نزلة برد بسيطة تجعله يرقد في الفراش لخمسة عشر يوما متصلين فكان يجد أقرانه يلعبون وهو عاجز عن ذلك فنفض اللهو من عقله وانهمك في التفكر والتأمل وهو ما جعله الطبيب البارع والمفكر العميق والأديب المرهف والعالم الفذ، في فترة دراسته بكلية الطب أصيب بعدة أمراض واستمر مرضه أربع سنوات ملازما فراشه ونجح زملاؤه في الكلية وتخرجوا وهو ما زال طالبا ،إلا أن هذه المحنة كانت بمثابة منحة من الله حيث عكف خلال فترة مرضه على التهام الكتب والتبحر في أعماق المعرفة والفكر والثقافة ، وفي كثير من مراحل حياته أصيب بأمراض حار فيها الأطباء من بينها نوع غريب من الإسهال وظن معه الأطباء وقتها أنه مصاب بمرض خطير لن يعيش معه سوى ستة أشهر ثم يموت، وأجريت له عملية جراحية وتبين له أنه ليس مصابا بذلك المرض الخطير وعلى مدى حياته أجريت له ستٌ وعشرون عملية جراحية منها سبع عمليات كبرى ، لم ينهزم أمامها بل خرج من كل محنة منها صابرا على ويلات المرض راضيا بقضاء الله.

رحلة الشك المزعوم

يروي مصطفى محمود بداية لحظات الشك التي انتابته في شبابه وتفاصيل اللحظة التي فجرت في عقله الشك وإعادة النظر حين بلغ الحادية عشر من عمره وكان يصلي الفروض كلها في المسجد ويواظب على دروس العلم حين أعطاه الشيخ التابع لجامع سيدي عز ورقة بها آيات قرآنية لطرد الحشرات أو لقتلها، وطلب منه لصق الورقة  على الحائط لتموت الصراصير  فرح مصطفى محمود في البداية ولكن ما لبث أن خاب ظنه وأصيب بإحباط شديد فقد تزايدت الصراصير وأصبحت أضعاف ما كانت من قبل حتى أكلت الورقة ذاتها.

 ويعتبر مصطفى محمود أن هذا كان أكبر خطأ يمكن أن يرتكب في طريق الدعوة وهي استخدام القرآن في شيء لم يُخلق من أجله، فالقرآن أنزله الله من أجل أن يفكر العقل البشري ويتفتح ويؤمن، وهذا الذي جعلنه يفكر كثيراً في موضوع الإيمان فكان كتابه الأول (الله والإنسان) وكان بداية البحث عن الله سبحانه وتعالى ،واعتبره أول خطوة نحو الإيمان بالفعل بالنسبة له، فيقول "أبداً لم يكن إلحاداً بالمرة"، إلا أن الزوبعة التي أثارها الكتاب وقتها هي التي اتهمت مؤلف الكتاب بالالحاد فكان الشيوعيون هم أول من تلقف الكتاب واعتبروا صاحبه إمام لهم حتى أن محمود أمين العالم كتب في مقاله عن مصطفى محمود  " ظهر الإمام (بتاعنا) خلاص" ، إلا أن كامل الشناوي رئيس التحرير والشاعر كتب مقالا في الأخبار يقول فيه "أنتم تقولون على الرجل أنه يلحد! أنا قرأت كتابه فرأيته يلحد راكعاً على سجادة!!" ، وبالفعل فقد اختصر الشناوي الكتاب كله في أن الرجل يحب الله بجنون فلا يوجد في عقله سواه.

إيقاظ العقل رسالة

الكتاب الذي أثار ضجة في عهد عبد الناصر كان أنور السادات هو الذي أشرف على إخراجه بنفسه وطباعته في دار التحرير التي كان يرأسها وقتها وأجريت محاكمة للكتاب في شهر رمضان في جلسة سرية مغلقة فاختار مصطفى محمود الدكتور محمد عبد الله أخصائي جرائم النشر محاميا عنه ، والذي أتى بكلام مشايخ الصوفية كإبراهيم الدسوقي، الرفاعي.... ، لبيستخرج نفس المقولات التي أتى بها مصطفى محمود من كتبهم مما تسبب في احراج هيئة المحلفين إحراجاً شديداً، فاكتفوا بمصادرة الكتاب دون حيثيات.

لم يفوت مصطفى محمود الفرصة التي استغلها الشيوعيون الذين اعتبروه إمامهم حيث رد عليهم بعنف ليعرفوا أنه ليس إمامهم بل إنه أخطر شخص على الشيوعية لأنه درس الماركسية بتعمق ويعرف مزالقها وما يحتويها من دجل وزيف فبدأ بكتابه (الإسلام والماركسية) والذي تُرْجِمَ لكل اللغات فكان صدمة رهيبة لهم، لأنه نجح في كشفت المذهب الماركسي كله ولكنه في الوقت نفسه فتح على نفسه معارك في جميع الجبهات سواء من قبل الشيوعيين أو الإسلاميين ولكنه ظل في طريق الشوك معتبرا نفسه صاحب رسالة تتمثل في إيقاظ العقل، والعقل لا يمكن أن توقظه إلا بالصواعق الكهربائية هذه حتى تجعله يتفتح ويفكر ثانيةً.

فبدأ يفكر في كتابه الثاني "القرآن محاولة لفهم عصري"، الذي استعرض فيه بعض اللمحات العلمية في القرآن، وحتى لا يكرر نفس الأخطاء التي حدثت مع الكتاب الأول ففكر في استشارة المفكرة بنت الشاطئ قبل إصدار الكتاب وأهداها نسخة منه وقرأته وباركته وطكلبت منه فقط تغيير عنوانه من  "محاولة لتفسير القرآن الكريم" وبالفعل غير من العنوان  ، وطبع الكتاب ففوجئ مصطفى محمود بمئات المقالات من بنت الشاطئ نفسها في جريدة الأهرام تسبه فيها وتنقد كتابه فشعر أن الأمر خرج إلى مجال آخر هو المنافسة حيث يعتبر كثير من المتدينين أن القرآن ومحاولة فهمه حكر عليهم لذا فإن ظهور مثل هذا الرجل ومحاولته التطاول على تفسير القرآن أو فهمه يجب أن يتم الوقوف لها بالمرصاد وهذا ما أدركه مصطفى محمود وعاش معه حتى آخر كتبه.


معركة الشفاعة

الشفاعة كانت آخر معاركه التي خاضها وقد بدأ كلامه عنها بأنها حق لا شك فيه ولكن الله تعالى يقول "قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" فاستنتج أن عمل الإنسان هو شفيعه وأنه لا يوجد وسائط بين الإنسان وخالقه في الشفاعة مستندا لقوله تعالى "فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ. فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَام" فالعمل إذن هو ما يجعل للمسلم الحق في نيل الشفاعة لا وسائط ولا أولياء.

مصطفى محمود الإنسان

حب الخير والتفاني في خدمة الناس  تجلت في حياته الخاصة والعامة فأسس جمعية مسجد محمود بالمهندسين ملحقا بها مسجد وعيادات ومستشفيات وخدمات مجانية وشبه مجانية تقدم لما يزيد عن سبعمائة ألف شخص كل عام، ويضم المركز أحدث المختبرات والأجهزة الطبية المتطورة.

ورث مصطفى محمود عن والده الذي كان يعمل مخبراً في المحكمة عادة البذل في سبيل الله فكان مرتب والده لا يزيد عن ثمانين قرشاً شهريا حرص دائما على أن يخرج ربعه للفقراء مع بداية كل شهر واستدام على هذه العادة حتى وفاته حين بلغ راتبه عشرون جنيها ، وسار مصطفى محمود على منوال والده فعاش حياة متواضعة لم يحلم يوما بسيارة فارهة ولا قصر فاخر بل ظل حتى وفاته يقيم في شقة صغيرة تكاد مساحتها لا تتجاوز مساحة غرفة واحدة، لا تتجاوز فيها غرفة الضيوف والجلوس مترين بمترين، عاش فيها أكثر من عشرين عاماً وهي عبارة عن ملحق صغير على سطح مركز مصطفى محمود.

يلخص مصطفى محمود هدفه بالحياة في عبارته "  ‏لو‏ ‏سئلت‏ ‏بعد‏ ‏هذا‏ ‏المشوار‏ ‏الطويل‏ ‏من‏ ‏أكون؟‏! ‏هل‏ ‏أنا‏ ‏الأديب‏ ‏القصاص‏ ‏أو‏ ‏المسرحي‏ ‏أو‏الفنان‏ ‏أو‏ ‏الطبيب؟‏ ‏لقلت‏: ‏كل‏ ‏ما أريده‏ ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏مجرد‏ ‏خادم‏ ‏لكلمة‏ ‏لا‏ ‏إله‏ ‏إلا‏ ‏الله‏، ‏وأن‏ ‏أكون‏ ‏بحياتي‏ ‏وبعلمي‏ ‏دالا‏ًً ‏على‏ ‏الخير" .



أضف تعليقا


" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله "
القائمة البريدية
خربشات صحفية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك