عرفتها في صباها زهرة يانعة تنبض بالحيوية والنشاط ، تنساب من كلماتها دعابات تروح عن النفس في زمهرير الشتاء، تخفف عنا ما نقاسيه في صفوف الدراسة من هموم وأعباء ومضايقات ، كنا نغدو ونروح من المدرسة واليها معا لا نتوقف فيها عن الضحك ولا تتوقف هي عن إلقاء الفكاهات والطرائف .
التحقنا بالثانوية معا وقضينا فيها أمتع الأوقات ، أرتنا صورة لا تغادر حقيبتها لزوج المستقبل فقد خطبت لابن عمتها وهي في المهد ، كانت تعدد من خصاله ومزاياه التي لم تتعد أنه ظريف ، لطيف ، لبق في حديثه ، رقيق في أسلوبه..
لم تخبرنا إن كان يصلي أم لا ، وإن كان يصوم أم لا ، وما هي علاقته بربه وما يتمتع به من خلق... وكأنها أمور ثانوية لا تهم ، بالطبع أنا لا ألومها فهي كانت ما زالت طفلة لا تملك من أمرها شيئا ولا تدري بأسس وقواعد الاختيار ولكن المسئولية تقع على الوالدين الذين لا ينبغي أن يقتصر نظرهم على إتباع العادات القبلية وما تفرضه العشيرة دون تمحيص وضبط فأبرز مؤهلاته أنه قريبها ومن العائلة وهم كأسرة تنتمي للصعيد يجدون أنه من العيب أن تتزوج الفتاة من غريب عن العائلة ، لا يهم خلقه أو دينه ولكن المهم هو إرضاء العائلة والحفاظ على التقاليد والعادات المتوارثة .
أنهينا الثانوية وتفرقنا كل شق طريقه في الجامعة في تخصص مختلف سمعت بعدها أن خطبتها قد تمت رسميا ثم ما لبثت أن تزوجت ، عاشت عدة سنوات محرومة من الإنجاب اعتقدت وقتها أن إنجاب الأولاد هو ما ينقصها في هذه الحياة ثم ما لبثت أن رزقها الله بثلاث بنين وفي هذه الأثناء بدأ زوجها يظهر على حقيقته ، سوء خلق ، صحبة سيئة ، ممارسة الموبقات حتى انزلقت قدمه لإدمان جميع أنواع المخدرات ،انقلبت حياتها لجحيم مستمر .

حاولت معه ، بذلت كل جهد لإصلاحه ولكنه تمادى في غيه فركزت اهتمامها بأبنائها الذين كانوا يشاهدون والدهم وهو يعد لمجلس الكيف أمامهم كانت لا تدري كيف تخبرهم أن ما يفعله حرام وكيف تقنعهم بذلك وهو القدوة لهم بل هو الذي يلبي لهم كل طلباتهم ، لا تدري كيف تطلب منهم أن يحافظوا على الصلاة ووالدهم لا يركعها ، كيف تطلب منهم ألا ينطقوا بألفاظ سيئة وهم يصبحون ويمسون عليها، كيف تعلمهم حسن اختيار الأصدقاء وهم الذين نشئوا في وسط الصحبة الفاسدة لوالدهم .
حاولت كثيرا أن تطلب من زوجها أن يفعل ما يفعله من موبقات خارج المنزل وأن يتجنب الظهور أمام أبنائه بهذه الصورة الدنيئة ولكنه تمادى باعتبار أن البيت بيته يفعل فيه ما يريد ويستقبل فيه من يشاء.

حتى كان اليوم الموعود في شهر رمضان المبارك في العام قبل الماضي إذا به وفي نهار رمضان يتناول المخدرات جهارا نهارا أمام أبنائه ، لم يراع حرمة الشهر الفضيل وهي التي تجتهد أن تعود أطفالها على الصيام ، رجته أن ينتظر حتى موعد الإفطار وأن يراعي حرمة الصيام فإذا به يسرع نحو المطبخ ويستل سكينا حادة وينهال عليها طعنا وتمزيقا أمام الأطفال وبعد أن تركها جثة هامدة أسرع إلى الجيران فأخبرهم أن لصا قد سطا على شقتهم وطعن زوجته بالسكين وطلب منهم أن يطلبوا الإسعاف لنجدتها على أن يذهب هو لإبلاغ البوليس وخرج ولم يعد.
بعد التحقيقات واثبات ارتكابه لجريمته تم البحث عنه ثم ألقي القبض عليه وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة وانتقل أولاده للعيش مع أمه .
رحمك الله يا إيمان يا حبيبتي الغالية والله أسأل أن يحفظ اولادك وينشئهم النشأة الصالحة.
أسوق هذه القصة الحقيقية لزوجات يسألنني عن جدوى الاستمرار مع أزواج مدمنين للمخدرات ويقترفون الموبقات فكلما حذرت إحداهن من الاستمرار مع مثل هذا الزوج الذي تكررت محاولات إصلاحه وعلاجه ويرفضها هو بشدة ليعود لأسوأ مما كان تجادل الزوجة حتى تقنعني بخطأ هذا الحل، قالت لي إحدى الزوجات وكيف اتركه وهو أب لأولادي وهم سيشردون بدونه وينحل كيان الأسرة ؟
الأمر لا يتعلق بتشريد الأبناء أو تفريق الأسرة فأين هي أسرة زميلتي الآن؟
هي قد فنيت زهرة شبابها والزوج في السجن والأبناء مشردين تلاحقهم نظرات المجتمع التي تزيد مرارتهم بيتمهم وبعد مرور خمس وعشرين عاما سيخرج والدهم من سجنه ليزيد من عارهم فهل بهذا نجحت زميلتي في الحفاظ على كيان الأسرة والأبناء؟
أما كان الأجدر بها أن تفارقه وتطلب منه الطلاق لتربي أبناءها على الدين والخلق والله سيكون في عونها ؟
بالطبع لا تنتهي قصة كل مدمن بقتل زوجته وحبسه ولكن الله يبعث لنا مثل هذه الأحداث ليذكرنا أن ما بني على باطل فهو باطل.
ولنفرض أن الأمر لم يتطور بالزوج ليقتل زوجته أفلا يكفي أنه يفعل الموبقات أمام أبنائه ؟
بالتأكيد ستذهب كل مجهوداتها التربوية هباء مع أطفالها الذين شبوا على هذه المفاسد في والدهم ، أين هي صورة الأب القدوة؟
هل هذا هو القدوة لأبنائه؟
إن غيابه وابتعاده أكرم له ولها وأفضل للأبناء.
أقول لكل زوجة ابتلاها الله بزوج مدمن أو شارب للخمر أو مصر على ارتكاب الموبقات والكبائر حاولي معه لإصلاحه مرة أو اثنتين أو ثلاث على أقصى تقدير ، حاولي أن تقنعيه بضرورة علاج هذا الإدمان والتخلص منه ، حفزيه على التعافي من هذه العادات الموبقة ، استعيني بمن يملك قولا على زوجك ، ولكن إن أصر وتمادى لا تهدري وقتك ولا تضيعي أولادك مع هذا الأب الغاشم فهو نبتة فاسدة يجب اقتلاعها حتى لا تنقل العدوى للزهور اليانعة واستعيني بالله وتأكدي أنه لن يضيعك ولا يضيع أولادك طالما أنك ابتغيت مراعاة حدود الله ، فانج بنفسك وأبنائك قبل أن تغرق بكم سفينة الآثام والكبائر ما دام ربانها الذي يسير دفتها عاص وفاجر.
أنقذي نفسك وأولادك قبل أن تفنى زهرة عمرك.
أعرف أن هناك من يختلف معي في هذا الرأي ولكني أعتقد ان الصبر على الزوج يكون في الأمور الثانوية التي لا تؤثر على تنشئة الأبناء ، يمكن الصبر على عصبية الزوج ، بخله ، أنانيته ، غلظته ..... ولكن الصبر على ارتكاب الكبائر لا أراه أبدا محمودا فالزوجة هي ايضا أم مسئولة عن رعاية أبنائها وستسأل عنهم يوم القيامة حفظتهم أم ضيعتهم وهي ببقاءها مع هذا الزوج شريكة له في إفساد الأبناء وتنشئتهم في بيئة فاسدة وأسرة مفككة وهي بهذا ليست أمينة عليهم ، فاحفظي الله في أبنائك.


















أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية