خربشات صحفية

الموقع الشخصي للصحفية المصرية " أمل خيري " يحتوي على المقالات والأبحاث المنشورة على الانترنت

حقيقة "الله" بعيون مستشرقة أيرلندية

تنامي شعبية كتب بعض الملحدين الغربيين من أمثال ريتشاردداوكنز، وكريستوفر هيتشينز، وسام هاريس، وغيرهم، يُظهر حقيقة أنه على الرغم من النهضة الدينية التي تسري حاليا في أنحاء كثيرة من العالم.

 وعلى الرغم من التقدم العلمي، فإن ثمة ارتباكا وتشككا واسع النطاق حول طبيعة الحقيقة الدينية، ووجود الله، وهذا ما دفع بالمستشرقة الأيرلندية كارين آرمسترونج لتأليف كتابها "القضية من أجل الله.. ماذا يعني الدين في الحقيقة؟".

صدر الكتاب في شهر يوليو الماضي عن دار "بودلي" للنشر بالمملكة المتح

دة والكتاب من القطع المتوسط في 384 صفحة، وجاء عنوان الكتاب وما يحمله من عنوان فرعي في شكل مثير للجدل، فمن الواضح أن غرض الكتاب الأساسي هو الرد على موجات الإلحاد العدوانية التي يطلقها أمثال داوكينزوهيتشنز.

بين الأصولية والإلحاد


يبحث الكتاب في نشأة الأديان السماوية وكيفية تطورها حتى فرضت نفسها في الوقت الحاضر، ويستعرض النصف الأول من الكتاب حقبة ما قبل العصر الحديث متناولا أصل الكتاب المقدس والنشأة المبكرة للديانة المسيحية مرورا باستعراض مرحلة الحروب الصليبية التي وصفتها آرمسترونج بوصمة عار لا يمكن محوها.

أما الجزء الثاني من الكتاب فيأخذ بأيدينا عبر العصور الحديث بدءا من عصر النهضة مرورا بنشوء ما يسمى بموجة الإلحاد الحديثة وموجات التنصير ونقد النظرية الداروينية.

ويتعرض الكتاب لمناقشة أفكار الملحدين الجدد بزعامة ريتشارد دواكينز وهو عالم بيولوجيا جزئية وفيلسوف أديان بريطاني وقائد حملة الإلحاد المعاصر العلنية، والذي يعرف نفسه على أنه "ملحد – إنساني – علماني – متشكك" وهو معروف بأفكاره الإلحادية وتأييده لنظرية النشوء والارتقاء لداروين، ومن أبرز منتقدي نظرية الخلق، وكتب داوكينز كتبا عديدة في الإلحاد من بينها "وهم الإله"؛ لذا فقد اعتبر الكثير كتاب آرمسترونج بمثابة صفعة موجهة لداوكينز وأمثاله من الملاحدة الجدد الذين ينكرون وجود الله.

ترى كارين أن كلا من المسيحيين الأصوليين والملحدين لديهم فكرة عن "الله"، والتي تشير إلى قوة عظيمة فوق مستوى إدراك البشر، ولكن الفارق الوحيد بين الأصولي والملحد هو أن الأول يؤكد وجود الله، والثاني ينكر ذلك، ولكنهما يشتركان في أنهما يبحثان عن الدين في المكان الخاطئ.

فتقول كارين إنه في حين أن بعضنا يؤمن بوجود "الله" أو "إله" فإن البعض يعتبر ذلك من قبيل الخرافة، لذا تأتي مناقشتها لهذه القضية والتي تأخرت كثيرا على حد قولها، لتجيب عن سؤال: هل المؤمنون أناس باحثون عن النور الإلهي أم هم حمقى يتخبطون في الظلام؟

الفهم والإيمان

وتؤكد كارين أن على المرء أن يتبع دينا سماويا لكي يتعرف على الله وهذا يتطلب منه التزاما جديا بتعاليم هذا الدين، فالإنسان لا يمكن أن يتعرف على الله من خلال إعمال العقل والمنطق فقط، بل الإيمان هو ما يدفعه لمعرفة الله، ولذلك فهي تفترض أن الإيمان يقود للفهم ولكن الفهم وحده لا يقود إلى الإيمان، وتشير كارين إلى أن ممارسة شعائر العبادات وإن كانت جانبا مهما للإيمان فإنها وحدها لا تكفي للتعبير عن الإيمان فلابد أن تترجم هذه الشعائر إلى سلوكيات تعبر عن حقيقة هذا الدين.

وتوضح كارين في معرض حديثها عن الكتب السماوية الفرق بين الأسطورة والرمز، ففي الحضارة اليونانية القديمة لم يكن هناك اختلاف بين مفهوم المنطق والأسطورة، كما هو موجود اليوم وإنما كان كل منهما يعبر عن أحد جوانب الحياة، فسقراط كان يقول: "الحياة التي لم نعشها لا تستحق العناء"، وبالتالي فإن مفاهيمنا المنطقية ليست هي المسئولة عن فهمنا الخاطئ للدين بل سوء تفسيرنا المعاصر لمفهوم الأسطورة، فالأسطورة قصة لا تتعمد وصف أحداث تاريخية بدقة، ولكنها تعبير عن مخاوف وانفعالات معقدة وغامضة داخل النفس البشرية، وفي العصر الحالي تستخدم كلمة أسطورة كمادة للسخرية وأحيانا كمرادف للباطل، وإذا كان الملحدون يرون أن العقيدة والأديان ما هي إلا محض أساطير فإنهم يتدرجون من ذلك إلى القول إن وجود الله ما هو إلا أسطورة.

وتعتبر كارين الملحدين جهلاء بالثقافة الدينية وأن جدالهم الفكري يتسم بالضحالة ويفتقر للعمق المطلوب، وفي المقابل تذكرنا كارين أن داروين وجاليليو اللذين يعتبرهما البعض من أقطاب الإلحاد المعاصر قد أكدا على أن ما توصلا إليه من اكتشافات ليس له تأثير على العقائد الدينية، وأن داروين نفسه لم ينف وجود الله، وفي حين دفع سقراط بالعقلانية والتفكير إلى حافة الهاوية حين يدرك الإنسان أنه لا يعلم أي شيء على الإطلاق، فإن الملحدين الجدد يقومون بالنقيض فهم يعتبرون العقلانية والفكر يقودان إلى المعرفة المطلقة، وترى كارين أن هؤلاء الذين يدَّعون المعرفة لا يمكن الوثوق بهم.

ومع ذلك ولعدة قرون كانت الأفكار حول "الله" وحول "الكتب المقدسة" أكثر دقة وعمقا من الفهم الأصولي أو الإلحادي المعاصر، وعلى حد قولها: "لقد فقدنا روعة الدين"، ويبدو الأمر كما لو أن نجاح العلم في العالم المادي قد أعاد تشكيل عقولنا، حيث تحول الدين إلى أسطورة وبدأنا نتساءل: "هل هذا صحيح؟" "هل حقا يمكن أن يحدث؟ عقليا هل هو صحيح؟ لنصل للنتيجة إن لم يكن كذلك، فنحن غير مهتمين على الإطلاق.

"الله" فوق إدراك البشر

وتعتمد كارين على رصد العديد من الأفكار الثرية عن "الله" عبر 2000 عام من تاريخ اللاهوت المسيحي لتؤكد أنه لا التفكير ولا الخيال يمكنهما المضي خارج حدودهما، فمفهوم "الله" بحكم تعريفه فوق مستوى لغة البشر باعتبار أن للغة حدودا لا تتجاوزها.

وتمضي كارين في القول بأن مفهوم "الإيمان" نفسه قد تغير من شعور قلبي إلى حقيقة قائمة على التجربة والملاحظة، ومع ذلك وبفضل سوء تطبيق العلم في العقائد الدينية ما زلنا قاصري الفكر وغير ناضجين روحيا وما زلنا نخاف من نفس الأشياء التي كنا نخافها في العصور السابقة، وسنظل مفتقرين للفهم لأجل غير مسمى برغم خبراتنا الواسعة وما أحرزناه من تقدم، وتؤكد كارين أننا بحاجة للتفكير في "الله" ليس ككائن بل ككينونة.

وتسرد كارين أيضا المشاكل التي ترتبت على تنامي موجة الدين القائم على العلم، حيث تتبنى كارين وجهات نظر المدللين على وجود الله بالنظر لروعة المخلوقات، ولكنها ترفض أن يتم ربط الإيمان بالحقائق العلمية فقط، فقد اقتبست عن "بالي" مقولته: "وحده فقط المجنون الذي يتصور أن آلة ما صنعت بالصدفة"، والتي يقيس عليها قوله "من المثير للسخرية أن نشك في عجائب الخلق ونعتبرها خلقت صدفة"، وتعتبر كارين أن الاعتماد على العلم وحده للتدليل على وجود الله غير كافٍ بل ربما يؤدي لنتائج مفزعة تماما كما فعل أتباع داروين حين حاولوا بالعلم أن يبرهنوا على أن ما في الكون من مخلوقات جاء نتيجة لمراحل من التطور الطبيعي، وذلك بسبب الإفراط في تقديس العلم فظهرت موجات الإلحاد الحديثة التي نفت وجود الله واعتبرت أن كل ما في الكون وجد صدفة نتيجة التطور الطبيعي.

ولكن هذه الغطرسة العلمية ما لبثت أن تهاوت حين أدركنا أن للعلم حدودا لا يستطيع تخطيها، فكانت خيبة الأمل التي غرست بذور الشك والارتياب في النفوس والذي أدى ليس فقط للإلحاد بل أدى في المقابل إلى الأصولية والتطرف في جميع الأديان كرد فعل.

وتؤكد كارين أنه لم يكن هناك تناقض بين العلم والدين في العصور السابقة، ولكن العلم الحديث قد غير بعض المفاهيم ليبدو كأنه يتصادم مع الدين، وعلى الرغم من خطأ هذا الافتراض، فما زال للدين دور أساسي في العلم الحديث، وما زالت الأديان تدافع عن نفسها ضد العلم.

كارين.. الراهبة الهاربة


Image

يعتبر كتاب قضية الإله هو الإصدار الخامس عشر للكاتبة والمستشرقة كارين آرمسترونج والتي اشتهرت بلقب "الراهبة الهاربة"، باعتبارها راهبة كاثوليكية سابقة تمردت على حياة الرهبنة وخرجت من الدير مخلفة وراءها تجربة مريرة سجلتها في كتابها "عبر البوابة الضيقة" تصف فيها حالة التضييق والعزلة التي تعيشها الراهبات في الأديرة حتى أنهن في عام 1966 لم يعرفن بانتهاء أزمة الصواريخ الكوبية إلا بعد مضي عدة أسابيع على انتهائها.

 حيث لم يكن يسمح لهن بالاتصال بالعالم الخارجي أو حتى الاستفسار عنه، وتصدر كتابها مبيعات عام 1982، ولكنها اكتسبت أيضا عداوة كثير من البريطانيين الكاثوليك الذين انتقدوا صراحتها الشديدة.

 وانتقلت كارين من حياة الرهبنة إلى ما أسمته بحرية الإيمان، حيث تمضي أغلب أوقاتها بين رفوف الكتب، معتبرة أن القراءة تمدها بالروحانيات وتجعلها مفعمة بالإيمان، وترى أنه لا بد للإنسان أن يتزود بالزاد الروحي من الأديان السماوية جميعها كمظهر من مظاهر العولمة.

ولدت كارين في الرابع عشر من نوفمبر عام 1944 في برمنجهام بإنجلترا من أصول أيرلندية، وأمضت سبع سنوات في جمعية "يسوع الطفل المقدس"، ثم تركتها والتحقت بجامعة أوكسفورد، حيث حصلت على بكالوريوس في الآداب عام 1969، وعملت لفترة بتدريس الأدب الحديث بجامعة لندن، وبدأت استعداداتها للحصول على الدكتوراه خلال ثلاث سنوات.

 لكن أطروحتها رفضت بلا أسباب، فتركت المجال الأكاديمي لتعمل رئيسا لقسم اللغة الإنجليزية بإحدى مدارس البنات بلندن عام 1976، لكن وضعها الصحي حال بينها وبين مواصلة العمل بالتدريس فغادرت حقل التدريس عام 1982، وبدأت العمل في مجال الأفلام الوثائقية التلفزيونية، حيث دعتها القناة الرابعة البريطانية لإعداد فيلم وثائقي عن حياة القديس باول، مما أعاد اهتمامها مرة أخرى بالدراسات الدينية فتعمقت في دراسة الديانات السماوية الثلاث.

قامت كارين بزيارة القدس عدة مرات وتصادفت زيارتها الأولى مع مذابح صابرا وشاتيلا فهالها بشاعة الإسرائيليين في قتل الأبرياء خاصة الأطفال بدم بارد وشعرت بالخزي لدور بلادها تجاه القضية الفلسطينية فعملت على إخراج كتابها "القدس مدينة واحدة وأديان ثلاثة"، وتقول كارين إنها برغم إيمانها بأن الديانات السماوية الثلاث تحمل رسالة واحدة وغاية واحدة لنشر الحب والعدل والسلام وسعادة الإنسان، لكن الدين أيضا يمكن أن يتخذ منطلقا لتبرير الصراعات والحروب الدموية.

الدفاع عن الإسلام

لاحظت كارين أن الإسلام مستهدف بالكراهية أكثر من غيره من الأديان وحين تلقى الغرب رواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي عام 1988 واستقبلها ومؤلفها بحفاوة بالغة بعد إثارتها ضجة بالغة في العالم الإسلامي لاحتوائها على إهانة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم أصرت كارين على البحث عن سر هذه الكراهية البالغة من الغرب للمسلمين والإسلام فكتبت "محمد نبي هذا العصر" لتحاول تعريف الغرب بنبي الإسلام، ولتؤكد أن الإسلام هو الديانة الإبراهيمية الثالثة، ثم أتبعته بكتاب "محمد.. سيرة نبي".

 وتعد كارين من أكثر المستشرقين الغربيين موضوعية، حيث قامت بدحض فرية انتشار الإسلام بحد السيف والتي تم الترويج لها أثناء الحروب الصليبية وكتبت "الإسلام.. تاريخ مختصر"، كما عكفت على دراسة أصول الأديان الثلاثة فكتبت العديد من الكتب من بينها "تاريخ الله .. 4000 عام من البحث في اليهودية والمسيحية والإسلام"، "المعركة من أجل الله.. الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام"، "التحول الكبير.. نشأة تقاليدنا الدينية"، وتتصدر معظم مؤلفاتها المثيرة للجدل مبيعات الكتب في إنجلترا.

وفي عام 1999 كرمها المركز الإسلامي بجنوب كاليفورنيا لدورها في مد جسور التفاهم بين الأديان الثلاثة، كما حصلت في مايو 2008 على جائزة فرانكلين روزفلت لحرية العبادة وهي إحدى الجوائز الأربع للحرية "التجارة والبيئة والتنمية والحرية الدينية"، وحين أصدر بابا الفاتيكان بنديكيت تصريحاته التي أثارت العالم الإسلامي كتبت مقالا بعنوان "لا يمكننا الاحتفاظ بالنعرات القديمة ضد الإسلام"، مؤكدة أن تصريحات بنديكيت خطيرة وسوف تقنع الكثير من المسلمين أن الغرب ما زال يعاني من عقدة الإسلاموفوبيا.

وتدعو كارين الغرب لتنقية المناهج الدراسية المحشوة بالكراهية ضد المسلمين وإلى ضرورة القضاء على التشويه المتعمد للإسلام في الإعلام الغربي، وتقوم حاليا بإعداد مشروع يحمل عنوان "ميثاق للتراحم" بين كل من يدينون بالديانات السماوية الثلاث.

رابط النشر
http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1248188076282&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout

http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1248188153508&pagename=Zone-Arabic-MDarik/MDALayout



أضف تعليقا


" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله "
القائمة البريدية
خربشات صحفية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك